ابن رشد

13

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الشهرستاني في هذا الصدد يبرز طول المسافة الزمنية التي تفصل بين ابتداء " الكلام " ، كممارسة نظرية ذات طابع لاهوتي سياسي ، وبين ظهور مصطلح " علم الكلام " . أما ابتداء ممارسة " الكلام " و " التكلم " ، في التاريخ العربي الإسلامي ، فيربطه الشهرستاني ، كما فعل أبو الحسن الأشعري من قبله ، ب " ظهور الخلاف " . وهكذا ، فبعد أن يسرد أهم الموضوعات التي وقع حولها " خلاف " في الرأي زمن النبي والخلفاء الراشدين - وقد كان خلافا " ظرفيا " لم يكن له ما بعده - انتهى إلى عهد علي بن أبي طالب الذي يقول عنه إنه " انقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين : أحدهما الاختلاف في الإمامة ، والثاني الاختلاف في الأصول " . أما الاختلاف في الإمامة ، وهو " أعظم خلاف بين الأمة " ، فقد انحصر كما يقول في تيارين كبيرين : تيار يقول إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار ( وهو رأي من سيعرفون بأهل السنة ) ، وتيار يقول بأنها تثبت بالنص والتعيين ( وهو رأي من سيعرفون بالشيعة ) . أما الاختلاف في " الأصول " فيحدد الشهرستاني تاريخ ابتدائه ب " آخر أيام الصحابة " ( أي ما يطابق عهد عبد الملك بن مروان ، على وجه التقريب ) ، ويربطه بظهور " بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري في القول بالقدر " : أي قدرة الإنسان على إتيان أفعاله ، أو خلقها ، خيرها وشرها ، وإثبات مسئوليته عنها ، وذلك بدل إضافة الخير والشر إلى القضاء والقدر . ثم بعد أن يوجز تطور هذا الخلاف مع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد المؤسسين ل " الاعتزال " كمذهب ، كما سنرى لاحقا ، يضيف قائلا : " ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون ، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام ، وأفردتها فنا من فنون العلم ، وسمتها باسم الكلام " . « 2 » يضعنا هذا النص مباشرة في قلب موضوعنا : يضعنا أمام بداية " الكلام " وبداية " الفلسفة " انطلاقا من التأريخ ل " الخلاف " في الإسلام . . . والحق أن ظهور المتكلم - وهو " المثقف " يومئذ « 3 » لا يمكن أن يتم إلا بظهور " الخلاف " ، ظهور الآراء المتعددة المتنوعة المختلفة . لقد ظهر " الكلام " إذن مع ظهور " الخلاف " ، وعندما تبلورت قضاياه وتحددت ، وصار التكلم فيها بمنهج وفي إطار مذهب ، نضجت فيه " المقالات " فارتفع إلى مستوى " العلم " ، أي أصبح قابلا للتصنيف والتبويب والعرض المنظم ، وذلك بعد أن استقل نوعا من الاستقلال عن " سياسة "

--> ( 2 ) الشهرستاني ، أبو الفتح محمد عبد الكريم . الملل والنحل . تحقيق عبد العزيز الوكيل . جزءان في مجلد واحد . مؤسسة الحلبي . القاهرة . 1968 . ج . 1 ص 25 - 29 . ( 3 ) أنظر كتابنا : المثقفون في الحضارة الإسلامية . مركز دراسات الوحدة العربية . بيروت . 1995 . ص 35 وما بعدها .